موقع مركز الأبحاث العقائدية التابع للسيستاني: وهو يمثل الواجهة العقائدية لمرجعية السيستاني الذي يرعاه؛ حيث كتب في صفحة التعريف بالمركز في موقع هذا المركز([1]):

«هذا، ونجد مرجعية سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني “مدّ ظلّه” ببرامجها ومشاريعها، هي النموذج الأمثل في هذا المضمار، للدفاع عن مذهب التشيّع ونشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) في شتى أنحاء العالم.

و”مركز الأبحاث العقائدية” هو واحد من هذه المشاريع المباركة، حيث أُسس بإشراف ودعم سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيد جواد الشهرستاني، وقد تمّت الافتتاحية الرسميّة اقتراناً مع ذكرى مولد الإمام الرضا (عليه السلام) في الحادي عشر من شهر ذي القعدة عام 1419 هـ، ليتصدّى للذبّ عن حمى العقيدة وتنمية المفاهيم الرصينة ونصرة مذهب أهل البيت (عليه السلام) بشتى نشاطاته المتنوعة…………….

وتلبية للتوجيهات الصادرة من سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني “دام ظلـّه الوارف” بضرورة التصدّي لأفكار العلمانية وردّ شبهاتها قرّر مركزنا أن يضطلع بالمهمة المشار إليه»([2]).

وفي الموقع كتب أيضاً:

«الاراء الواردة في موقع مركز الابحاث العقائدية لا تمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني»([3]).

أي أنها يمكن أن تمثل رأيه ويمكن أن لا تمثل، وعموماً في هذه المسألة المهمة هذا ما وجدته في الموقع العقائدي التابع للسيستاني، فإذا كان لا يمثل رأيه فيمكنه أن ينكره ويبين رأيه، وإلا فهو رأيه وهذا الرد يلزمه.

ورد في مركز السيستاني العقائدي المسمى مركز الأبحاث العقائدية:

«سؤال: بطلان نظرية التطور

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

أود بأن أسأل سماحتكم عن نظرية دارون العلمية في التطور والارتقاء والتي تقول أن الكائنات الحية قد نشأت من كائنات أبسط منها, كالحيوانات مثلا قد تعرضت للطفرات عبر العصور وتحولت الى كائنات أكثر تعقيدا, فما رأيكم بهذه النظرية هل تخالف الاسلام وهل هي تنطبق على الانسان؟

وشكرا لكم سائلين المولى بأن يحفظكم ويوفقنا لأخذ المفيد منكم على الدوام مصطفى – امريكا

الجواب:

الاخ مصطفى المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد ثبت علمياً بطلان هذه النظرية، ولعل أبسط ما يفند به تلك النظرية ان تحول خليه بسيطه الى اخرى أكثر تعقيداً منها وبحساب الاحتمالات يحتاج الى ملايين السنين، هذا هو حال خليه واحدة فكيف حال تحول حيوان الى آخر؟!! فانه يحتاج الى مليارات السنين، وهو ما ثبت بطلانه. هذا أحد الوجوه التي ترد بها هذه النظرية وهناك وجوه اخرى كلها لا تجعل نظرية التطور تصمد أمام النقد العلمي.

على اننا في عقيدتنا الإسلامية لدينا رأي واضح عن كيفيه بدأ خلق الإنسان، وهذا هو القرآن الكريم يصرح بذلك يقول تعالى: (الَّذي أَحسَنَ كلَّ شَيء خَلَقَه وَبَدَأَ خَلقَ الأنسَان من طين) (السجدة: 7) فبداية خلق الإنسان كانت هي الطين وليس كما يقول أصحاب نظرية التطور من أن الانسان عن حيوان اخر، يقول تعالى: (خَلَقَ الأنسَانَ من صَلصَال كَالَفخَّار) (الرحمن: 14) ويقول ايضاً: (وَلَقَد خَلَقنَاكم ثمَّ صَوَّرنَاكم ثمَّ قلنَا للمَلائكَة اسجدوا لآدَمَ فسَجَدوا إلَّا إبليسَ لَم يَكن منَ السَّاجدينَ) (الأعراف: 11) ويقول تعالى: (إنَّا خَلَقنَاهم من طين لازب) (الصافات: 11) ويقول تعالى: (إذ قَالَ رَبّكَ للمَلائكَة إنّي خَالقٌ بَشَراً من طين) (فإذَا سَوَّيته وَنَفَخت فيه من روحي فقَعوا لَه سَاجدينَ ((الحجر: 29). وهناك من الاخبار عن الانبياء والاوصياء (عليهم السلام) توضح كيفية خلق آدم الذي هو أبو البشر.

فما جاءت به نظرية التطور لا ينسجم

ودمتم في رعاية الله.

ابو حسين

تعليق على الجواب )وفقكم الله لكل خير، نرجو التوسع بالجواب ولكم جزيل الشكر)

الجواب:

الأخ ابا حسين المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في كتاب ثمار الأفكار – للشيخ علي الكوراني العاملي: ص 354 – 357

نظرية التطور تتناقض مع جملة من العلوم الحديثة . . هذا يضعها في موقف لا تحسد عليه.

أحد هذه التناقضات هي تناقضها مع الحقائق الفيزيائية . . وإليك هذا التناقض: الشمس والنجوم الأخرى تحترق وتبعث بكميات هائلة من الطاقة الحرارية والاشعاعية والضوئية إلى أغوار الكون، ولكن لا يمكن توقع رجوع هذه الطاقات الهائلة إلى الشمس وإلى النجوم الأخرى بحركة تلقائية. إن تركت أي شئ مدة معينة أسرع إليه التلف . . لو تركت قطعة لحم أو كمية من الفاكهة أو الطعام تراه يفسد بعد مدة معينة، وتضطر إلى اتخاذ تدابير معينة للحفاظ عليه من الفساد (كأن تضعه في ثلاجة)، وحتى هذا التدبير لا ينفع إلا مدة معلومة فقط، وإن تركت بيتا أو قصرا أسرع إليه البلى بعد سنوات . . وهكذا . . فكل شئ يسير في اتجاه واحد نحو البلى والتحلل والفساد. الإنتروبيا، ولكي يستطيع العلماء شرح مفهوم النظام أو الفوضى في الكون أو في أي منظومة (System) فقد استعانوا بمصطلح (الإنتروبيا (Entropy)). فالإنتروبيا تشير إلى مقدار الفوضى، أي مقدار الطاقة التي لا يمكن الاستفادة منها، لذا يعرف القانون الثاني للديناميكا الحرارية بأنه قانون زيادة الإنتروبيا. يقول البروفسور (ف . بوش): (تحدث جميع التغيرات التلقائية بحيث تزداد الفوضى في الكون، وهذه ببساطة هي صيغة القانون الثاني مطبقة على الكون ككل). يقول العالم الأمريكي الأمريكي “إسحاق أزيموف Isaac Asimov” حسب معلوماتنا فإن التغيرات والتحولات بأجمعها هي باتجاه زيادة “الإنتروبيا”، وباتجاه زيادة عدم النظام وزيادة الفوضى، ونحو الانهدام والتقوض). ويتناول الموضوع نفسه في المقالة نفسها بشكل أكثر تفصيلا فيقول: (هناك طريقة أخرى لشرح القانون الثاني، وهي أن الكون يسير بوتيرة ثابتة نحو زيادة الإنتروبيا، ونحن نرى تأثير القانون الثاني حوالينا في كل شيء، فنحن نعمل بكل جد لكي نرتب غرفة وننسقها، ولكن ما أن نتركها لشأنها حتى تنتشر فيها الفوضى من جديد بسرعة وبكل سهولة، حتى وإن لم ندخلها، إذ سيعلوها الغبار والعفن، وكم نلاقي من الصعوبات عندما نقوم بأعمال صيانة البيوت والمكائن وصيانة أجسادنا ونجعلها في أفضل وضع، ولكن كم يكون سهلا تركها للتلف وللبلى، والحقيقة هي أن ما يتعين علينا عمله هنا هو لا شئ، فكل شئ يسير ذاتيا نحو التلف ونحو الانهدام ونحو التفكك والانحلال والبلى، وهذا هو ما يعنيه القانون الثاني.

نستطيع تلخيص القانون الأول والقانون الثاني في الشكل التالي: يقول العالم التطوري ” جيرمي رفكن ” Jeremy Rifkin عن القانون الثاني: (لقد قال ” البرت آنشتاين”: إنه أي هذا القانون القانون الأساسي للعلم بأجمعه، وأشار السير ” آرثر أدنجتون ” إليه باعتباره القانون الميتافيزيقي للكون بأجمعه). إذن فإن هذا القانون الشامل يؤكد أن جميع التغيرات والتبدلات الحادثة والجارية في الكون تسير نحو زيادة ” الإنتروبيا” . . أي نحو زيادة الفوضى، ونحو زيادة التحلل والتفكك . .

أي أن الكون يسير نحو الموت، والفيزيائيون يقولون: “إن الكون يسير نحو الموت الحراري”. ذلك لأن انتقال الحرارة من الأجسام الحارة (من النجوم) إلى الأجسام الباردة (الكواكب والغبار الكوني مثلا) سيتوقف يوما ما عندما تتساوى حرارة جميع الأجرام والأجسام في الكون . .

في هذه الحالة يتوقف انتقال الحرارة بين الأجسام، أي تتوقف الفعاليات بأجمعها . .

وهذا معناه موت الكون.

نستطيع أن نجمع معا نظريتي فرضية التطور وعلم الفيزياء، في شكل بياني واحد: إذن فهناك تناقض تام بين النظرتين: تقول فرضية التطور إن التغيرات والتبدلات الحاصلة في دنيانا وفي الكون تؤدي إلى زيادة التعقيد وإلى زيادة النظام، أي هناك تطور متصاعد إلى أعلى بوتائر مستمرة .

أما علم الفيزياء فيقول إن جميع التغيرات والتبدلات الجارية في الكون (وفي دنيانا) تؤدي إلى زيادة (الإنتروبيا)، أي إلى زيادة الفوضى والتحلل والتفكك.

أي أن الكون لا يسير نحو الأفضل ونحو الأحسن، بل يسير نحو الأسوأ ونحو الأسفل، أي يسير إلى الموت، وأنه لا توجد أي عملية تلقائية تؤدي إلى زيادة النظام، وإلى زيادة التعقيد والتركيب.

ويتبين من هذا أن الزمن عامل هدم وليس عامل بناء، مع أن جميع التطوريين يلجؤون إلى الزمن لتفسير جميع الاعتراضات والمصاعب التي تواجه فرضية التطور، فعندما تستبعد قيام الصدف العمياء بإنتاج كل هذا النظام والتعقيد والجمال الذي يحفل به الكون يقولون لك: “ولكن هذا الأمر لم يحصل خلال مليون سنة، بل خلال مئات بل آلاف الملايين من السنوات”! كأنهم عندما يذكرون شريطا طويلا من الزمن يحسبون أنهم يحلون بذلك جميع المصاعب ويقدمون حلا لجميع المعجزات التي يحفل بها الكون!

وهذا جهل، بل جهل مركب، ونحن ندعو هؤلاء إلى تصفح بعض كتب الفيزياء لكي يعلموا أن الزمن الذي حسبوه عامل بناء وتطوير، ليس في الحقيقة إلا عامل هدم وتحلل وتفكك! فإلى جانب أي نظرة نقف؟! أنقف بجانب فرضية (أو نظرية في أحسن الأحوال) لم تثبت صحتها حتى الآن، والتي يعارضها العديد من العلماء؟! أم نقف بجانب قانون علمي ثابت بآلاف التجارب المختبرية (كل جهاز مستعمل شاهد على صحة هذا القانون) والذي يقبله جميع العلماء دون أي استثناء؟

إذن ففرضية التطور تصادم العلم في صميمه.

إذن لا يمكن حدوث أي تطور نحو الأفضل في عالم يسير في جميع فعالياته وحركاته وتبدلاته نحو التفكك والانحلال . إذن فالتطور مستحيل من الناحية العلمية. (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) (الأنبياء:18).

ودمتم في رعاية الله»([4]).

رد: ما تقدم يمثل رأي السيستاني في نظرية التطور ورده عليها أو على الأقل هو رد مرضي عند السيستاني وبما أنه كذلك فلا بأس من بيان قدر الجواب ومستواه.

1- قال: «لقد ثبت علمياً بطلان هذه النظرية، ولعل أبسط ما يفند به تلك النظرية ان تحول خليه بسيطه الى اخرى أكثر تعقيداً منها وبحساب الاحتمالات يحتاج الى ملايين السنين، هذا هو حال خليه واحدة فكيف حال تحول حيوان الى آخر؟!! فانه يحتاج الى مليارات السنين، وهو ما ثبت بطلانه».

يقول: لقد ثبت علمياً بطلان نظرية التطور، ولا أدري أين ثبت علمياً؟!! اللهم إلا في أوهامهم، وإلا ففي الواقع ثبتت صحة نظرية التطور علمياً وخصوصاً بعد ظهور علم الجينات وتقدمه والآن هي التي تدرس في مدارس الدول المتقدمة وفي كل الجامعات العريقة حول العالم، بل كثير من اللقاحات والعلاجات الطبية تنتج وتطور على أساس نظرية التطور.

ومن ثم جاءنا بإثباته العلمي وهو عبارة عن كلام سطحي جداً وينم عن جهل كاتبه بنظرية التطور، فنظرية التطور لا تقول بالطفر من نوع إلى نوع ومن حيوان إلى حيوان ولا بنشوء الأعضاء المركبة فجأة، أي من حيوان ليس له عين إلى حيوان له عين…. الخ لكي تكون هنا إشكالية احتمالات رياضية من هذا الجانب في طريق نظرية التطور.

بل التطور يحصل بخطوات بطيئة وكثيرة جداً، وبما أنها خطوات تراكمية فلا يوجد أي إشكال رياضي في احتمالية وقوع كل خطوة من خطوات التطور منفردة، بل إنّ احتمالية وقوع كل خطوة بعد التي سبقتها هي احتمالية عالية جداً؛ لوجود التمايز والتكاثر والانتخاب الطبيعي على طول الخط، وإذا وجدت هذه الثلاثة وجد التطور لا محالة، فهذه مسألة علمية لا ينكرها إلا من يجهلون التمايز والتكاثر والانتخاب وما تعنيه، فأنصح السيد السيستاني ومركز الدراسات بقراءة ما كتبه علماء التطور لعلهم يفهمون نظرية التطور قبل أن يسطروا هذا الكلام الذي يحكي جهلهم بنظرية التطور وآلياتها.

2- ايرادهم الآيات القرآنية المتشابهة لرد نظرية علمية – مثبتة بأدلة علمية – لا قيمة علمية له عند علماء الأحياء ولا حتى دينياً، فهذه الآيات كلها لا تعارض نظرية التطور بشكل قطعي ليقال مثلاً: إن الدين لا يجتمع مع نظرية التطور، فمثلاً قولهم: “إن بداية خلق الإنسان من طين” وايرادهم الآيات القرآنية في ذلك يمكن أن يرد عليه ببساطة إنها في خلق نفسه؛ حيث إن الخلق الطيني كان في الجنة كما في الآيات القرآنية نفسها التي تذكر قصة الخلق، وأيضاً ذكر هذا في الروايات، والجنة عالم أنفس وليس عالماً جسمانياً مادياً كهذا العالم، وهذه مسألة سنبينها إن شاء الله. كذلك يمكن أن يرد بأن خلق الإنسان بدأ منذ خلق الله الخريطة الجينية الأولى أو البروتين الأول القابل للنسخ؛ حيث إنه خلق من المواد الكيميائية المتوفرة في هذه الأرض أو في ترابها أو من جزيئات الصلصال، وبهذا يصدق أن الله خلق الإنسان من طين ومن تراب ومن صلصال ومن الأرض؛ لأن الإنسان هو هدف الخلق المراد الوصول إليه، فالآيات التي تتكلم عن خلق آدم من طين وتراب يمكن أن تفهم بوجه موافق للتطور تماماً، وفي نفس الوقت فنحن نجد آيات أخرى واضحة في تأييد نظرية التطور، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾([5])، فالآيات واضحة ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً…. وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾، وسيأتي تفصيل معنى الآيات.

3- أما الكلام الذي نقلوه عن كتاب الكوراني وملخصه: أن الانتروبيا تحتم سير النظم المركبة نحو الانهيار، وأن الكون ككل يسير نحو الانهيار والأرض كذلك وما فيها كذلك، وهذا يعني بحسبهم أن هناك انتكاساً وتراجعاً وليس تطوراً، والخلاصة التي أنهوا بها كلامهم المتقدم:

«إذن ففرضية التطور تصادم العلم في صميمه.

إذن لا يمكن حدوث أي تطور نحو الأفضل في عالم يسير في جميع فعالياته وحركاته وتبدلاته نحو التفكك والانحلال. إذن فالتطور مستحيل من الناحية العلمية “بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ” “الأنبياء: 18” ودمتم في رعاية الله».

وفي الحقيقة إن هذا الإشكال أول من طرحه د. هنري موريس([6])، حيث قال:

«ان قانون الثرمودينمك الثاني يقول أن كل شيء يميل الى الفوضى مما يجعل من عملية التطور مستحيلة».

“The second law of thermodynamics says that everything tends toward disorder, making evolutionary development impossible”)[7](.

وقد تلاقفه منه المسيحيون المتدينون في أمريكا وأوربا لرد نظرية التطور واجتر هذا الإشكال بعض العرب بعد ترجمته، وصاحب الكوراني قام بنقل الإشكال وليته تركه على حاله بل أضاف له كلاماً ينم عن جهل مطبق، وبالنتيجة تلقّفه الكوراني ووضعه في كتابه وأخذه منه الموقع العقائدي التابع للسيستاني وتبنّوه على أنه حقيقة ودليل ينقض نظرية التطور.

وعموماً، فهو إشكال تافه وغير تام ولا صحيح علمياً، ومع أنه سيأتي أن ما انتهت إليه نتائج المشاهدات والمقبول علمياً وبشكل واسع الآن هو أن الكون مسطح ومفتوح ويتوسع بتسارع، ولكن تنزلاً معهم هنا فلنفرض أن الكون الجسماني نظام مغلق وينطبق عليه قانون الثرموداينمك الثاني، حيث إنه في نظام مغلق لا يمكن للانتروبي أن يقل، ولنفرض أن الانتروبي في الكون في ازدياد، ولكن هذا لا يعني أن كل جزء في الكون يسير بهذا الاتجاه أي زيادة الانتروبي؛ حيث لا مانع أن تكون هناك أجزاء في الكون (النظام المغلق بحسب الفرض) كالأرض تتجه – في زمن ما – لتكون أكثر تنظيماً طالما أن الأجزاء الأخرى تتجه لمعادلتها بزيادة الانتروبي، فالمهم أن يكون النظام كوحدة كاملة لا يخرق قانون الثرموداينمك الثاني، وهكذا تبين أن الإشكال مبني على أرض هشة وفهم سطحي لقانون الثرموداينمك الثاني.

هذا مع العلم أن الأرض نفسها ليست نظاماً مغلقاً، بل هناك أكثر من نظام تبادل للطاقة في الأرض، ومع الأرض، فالشمس تعطي الأرض حرارة وضوءاً، وأجزاء الأرض تمر بليل ونهار بالتوالي وهذا يقسمها إلى عدة أنظمة ويجعلها تمر بعملية تبادل حراري متغيرة ومستمرة باعتبارها عدة أنظمة وليس نظاماً واحداً. وباطن الأرض ساخن وهو عبارة عن صهارة وهناك عمليات تبادل طاقة بصورة غير منتظمة بين باطن الأرض وقشرتها والغلاف الجوي.

والفضاء المحيط بالأرض أيضاً نظام ويحصل تبادل حراري بينه وبين الأرض.

والقمر كذلك يؤثر بجاذبيته على الأرض بل إن أثره متغير مع الزمن لأنه يبتعد باستمرار([8]).

إذن، بحسب حالتنا الأرضية المتقدمة سيكون قانون الثرموداينمك بالنسبة لنظامين هو: (أن الانتروبي الكلي لنظامين لا ينقص عند حدوث تبادل حراري بين النظامين)، وهذا يعني أن زيادة النظام في الأرض ممكن؛ لأنها تتبادل الطاقة مع الكون المحيط بها، وزيادة النظام في بعض الأرض ممكن أيضاً؛ لأنها عدة أنظمة تتبادل الطاقة فيما بينها، والمهم هو أن الانتروبي الكلي للنظامين لا ينقص وليس الانتروبي لأحد النظامين.

فالأرض نفسها ليست نظاماً مغلقاً ولا نظاماً واحداً بل هي أنظمة متعددة، ولا مانع أن يزيد الانتروبي في موضع منها ويقل في آخر، ولا مانع أن يحصل تدهور للحياة أو هدم وزلازل وفيضان في موضع من الأرض وبناء ونمو وازدهار حياة في آخر في نفس الوقت، وهذا نراه كل يوم ولا يخرق قانون الثرمو داينمك الثاني.

هذا مع العلم أن مسألة الكون وكونه لا يتجه في السابق أو الآن نحو الانهيار محسومة، فقد ثبت علمياً بواسطة مراقبة أحد أنواع المستعرات العظمى واشعاع الخلفية الكوني وظاهرة دوبلر أن الكون مسطح ويتمدد بتسارع وسيستمر كذلك لزمن طويل بعد، وسيأتي نقاش هذه المسألة عند التعرض للطاقة المظلمة.

أعتقد أن ما بيّنته فيما يخص الانتروبي وقانون الثرمو داينمك الثاني يكفي لنسف الإشكال الساذج المتقدم، ولكن لزيادة التبسيط لنترك الانتروبي وننتقل إلى النتيجة التي توصلوا لها واعتمدوا عليها وهي ادعائهم أن الكون يسير الآن وقبل الآن نحو التفكك والانحلال والانهيار، فاستنتاجهم هذا غير صحيح بل إن الأمر معكوس تماماً بحسب المشاهدات والرصد الفلكي الدقيق والذي أثبتت نتائجه، وبحسب ظاهرة دوبلر واشعاع الخلفية الراديوي ومراقبة المستعرات العظمى أن المجرات تتباعد وبتسارع، والكون المادي الذي نعيش فيه كان ولا زال يتسع ويتكثر ويزداد، وحتى مجرتنا التي نعيش فيها وهي مجرة درب اللبانة لا تزال فيها سحب غاز وغبار ولهذا تتكون وتولد فيها نجوم جديدة وستستمر فيها ولادة النجوم لزمن طويل بعد، وهذه الحقيقة العلمية المثبتة بما لا يقبل الشك كافية لنقض ما سطّره الكوراني في كتابه.

أضف إلى ذلك أن الكون لم يبدأ مركباً معقداً بحسب النموذج القياسي – أو نظرية الانفجار العظيم – المثبت علمياً وبأدلة علمية مثل تباعد المجرات وبرودة الكون مع الزمن، فالكون بدأ من نقطة تفرد – أو حدث كمومي – ومن ثم حصل الانفجار وبدأت المادة تتكون شيئاً فشيئاً، ولا زال الكون في عمر الشباب وهو في اتساع وزيادة ولا يتجه حالياً أو في الماضي نحو الانهيار بحسب حسابات علمية دقيقة تعتمد على مراقبات دقيقة، بل هو الآن يزداد ويتسع.

وحتى لو فرضنا أن الكون ليس مسطحاً بل موجب التقوس أي كسطح الكرة وأنه سيتجه في النهاية نحو الانكماش والانهيار فهذا لن يكون علمياً حتى يصل الكون إلى أقصى مداه في الاتساع ثم بعدها يتجه نحو النقصان والانهيار عندما تصبح الطاقة التي تدفعه للتوسع أو الطاقة الموجبة الكونية عاجزة عن مقاومة جاذبية المادة.

والكون إلى الآن لم يصل إلى أقصى اتساع ممكن، بل هو لا زال يتسع بتسارع.

إذن، فقولهم إن الكون متجه الآن ومن قبل نحو الانهيار بناءً على قانون الثرموديناميك الثاني قول غير دقيق علمياً ولا يطابق الواقع الذي وفره الرصد الفلكي الدقيق والحسابات العلمية الرياضية وبحسب ظاهرة دوبلر واشعاع الخلفية الكوني، فالكون الآن غير متجه نحو الانهيار، والكون لم يبدأ معقداً مركباً ومن ثم اتجه نحو النقصان والانهيار بل العكس فهو بدأ بسيطاً ومن ثم اتجه نحو الازدياد والتركيب والتعقيد ولا يزال هذا هو اتجاهه إلى الآن.

ولو أننا أجرينا ما حصل ويحصل في الكون ككل – حيث بدأ من الصفر ثم ازداد – على الأرض وما فيها من أحياء كما أراد الكوراني وصاحبه والسيستاني ومركزه فستكون النتيجة أن التطور على الأرض والاتجاه نحو تكثر الحياة أو الكائنات الحية وزيادة تركيبها وتعقيدها لا إشكال فيه ويتوافق مع مسيرة الكون العامة في الاتساع والتكثر من قبل وإلى الآن تماماً.

ومع أني رددت بما تقدم وبينت خطأ ما سطره الكوراني في كتابه والسيد السيستاني في موقعه العقائدي وبينت أن الكون كان ولا يزال في ازدياد واتساع وسيبقى هكذا إلى مدى بعيد جداً،

ولكن أيضاً يكفي للرد عليهم في أن النمو والزيادة والتكثر، والاتجاه من البساطة إلى التعقيد والتكثر ونحو الأفضل والتحسين نراه كل يوم في الحياة الأرضية، فلو كان التطور يخرق قانون الثرموداينمك الثاني لكان نمو النباتات وتكثرها كذلك يخرقه، ولو كان يستحيل التطور لهذا السبب لاستحال نمو النباتات وتكثرها، فالنباتات تبدأ من بذرة وهي عبارة عن خريطة جينية ثم تنمو وتزداد مع الزمن ونمو الجنين والصغير الحيواني كذلك، ولا فرق بين النمو الجنيني ونمو النبات ونمو الطفل وبين التطور، فجميعها عبارة عن تكثر وزيادة واتجاه من البساطة إلى التعقيد مع الزمن. فخرق التطور لقانون الثرموداينمك الثاني كما يدعون ليس بأكثر من خرق نمو الجنين والنباتات والأطفال له، ومع هذا فلا زلنا نرى الأجنة والنباتات والأطفال تنمو وتزداد وتتكثر.

ملاحظة: لا أعرف كيف سيجعل الكوراني ومركز السيستاني العقائدي والسيستاني – الذين تبنوا الكلام المتقدم – علم الفيزياء أحد محاور الرسم البياني، فهذا الأمر حقيقة أول مرة أسمع به أن يكون علم الفيزياء بقضه وقضيضه محوراً في هكذا رسم بياني، وأرجو أن لا يبخلوا بعبقريتهم على الناس ويقوموا بإرسال هذا الرسم البياني للجامعات العريقة حول العالم لكي تعلم هذه الجامعات كيف يكون علم الفيزياء محوراً في هكذا رسم بياني وتعم الفائدة. وإذا كانوا لا يعرفون ما هو علم الفيزياء فلا بأس أن أعرفه لهم تعريفاً بسيطاً، فعلم الفيزياء: هو علم يبحث في سلوك المادة والطاقة والأبعاد (كالأبعاد المكانية الثلاثة وبعد الزمن) وتفاعلاتها والعلاقات القانونية التي تربطها.

ولست هنا مستهزئاً بهؤلاء وما سطروه من جهل فما أصابنا يجعلنا في شغل عن السخرية من أحد، وإنما فقط وددت لفت انتباه شيعة أهل البيت المظلومين المخدوعين بهؤلاء إلى قدر ما يحسن هؤلاء، وكيف أنهم لا يتحرجون من الكلام بغير علم، ولهذا فعلى كل مؤمن بمحمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) – يخاف على دينه وآخرته – أن لا يتكل على مثل هؤلاء ليقرروا له أمر آخرته. ))

[1]. موقع مركز الأبحاث العقائدية (1433 هـ. ق). التعريف بمركز الأبحاث العقائدية. متاح على:
http://www.aqaed.com/about

[2]. موقع مركز الأبحاث العقائدية (1433 هـ.ق). التعريف بمركز الأبحاث العقائدية.

[3]. موقع مركز الأبحاث العقائدية التابع للسيستاني: http://www.aqaed.com

[4]. موقع مركز الابحاث العقائدية التابع للسيستاني (1433 هـ.ق). الاسئلة والأجوبة، الخلق والخليقة، بطلان نظرية التطور. متاح على: http://www.aqaed.com/faq/2666.

[5]. القرآن الكريم ـ سورة نوح ـ آيات: 14- 17.

[6]. هنري موريس (1918- 2006 م) بروفسور بالهندسة المدنية وهو امريكي ومسيحي متدين وشغل منصب رئيس معهد دراسات الخلق (Institute of Creation Research) ولديه عدة مؤلفات علمية ودينية.

[7]. المصدر (Morris, Scientific Creationism): ص38 ـ 46.

[8]. القمر يبتعد عن الأرض بمسافة 3.8 سم بالسنة (موقع وكالة الفضاء الامريكية ناسا):

http://eclipse.gsfc.nasa.gov/SEhelp/ApolloLaser.html

المصدر: كتاب وهم الإلحاد – السيد أحمد الحسن