التشريح المقارن يؤكد التطور، وهناك أمثلة كثيرة ولكن سأقتصر على مثال عصب الحنجرة وهو موجود في السمكة وفي البرمائيات وفي الغزال وفي الإنسان وفي الزرافة، فهذا العصب في السمكة يتحرك من الدماغ إلى الخيشوم ملتفاً حول القلب.

فالآن لو أن كل حيوان صمم جسمه على حدة ولم يتطور عن السمكة فسيكون العصب فيه متصلاً مباشرة من قرب الدماغ إلى طرف الحنجرة العلوي وهي مسافة قصيرة، ولكن الموجود في الطبيعة هو أن هذا العصب يأخذ في الحيوانات نفس دورته في السمكة، وهذا يعني أنه تطور عنها واضطره استطالة الرقبة وابتعاد القلب في غور الجسم الحيواني إلى التمدد ليلتف حول الشريان الخارج من القلب كما كان في السمكة وحتى أنه أصبح في الزرافة يسير مسافة كبيرة جداً بدون فائدة فعلية – كما يقول علماء الأحياء والتشريح المقارن – وسبب سيره هذه المسافة هو أنه يلتف حول الشريان الخارج من القلب ثم يعود أدراجه بنفس المسافة تقريباً حتى يصل إلى أعلى الرقبة ويتصل بالحنجرة من الأعلى. إذن، التف هذا العصب في السمكة فتابع نفس السيرة في الالتفاف في بقية الحيوانات، بسبب التطور فهذا الالتفاف عبارة عن إرث تاريخي.

إذن، فلأنه غير مصمم أصلاً لكل حيوان على حدة أخذ هذه اللفة غير الضرورية فقطع مسافة من الدماغ إلى بداية الصدر ثم التف عائداً إلى طرف الحنجرة العلوي، وهذا يثبت التطور والارتقاء ففي كل خطوة تطور كان تمدد العصب مسافة قليلة جداً أسهل بكثير من الوصلة المباشرة في حين لو كان كل حيوان صمم وخلق جسمه على حدة فالمفروض أن العصب يوصل مباشرة ولا داعي للهدر الاقتصادي في التصميم بهذا الطول في الزرافة مثلاً.

وأيضاً يساق ما تقدم كاعتراض على التصميم الذكي حيث يعتبر أن هذا الخلل في التصميم الذي ظهر أثناء عملية التطور يثبت أن هذا التصميم ليس تصميماً ذكياً ليناسب كل الحيوانات بصورة مثالية، فالتصميم الأولي قد أدى إلى استطالة عصب الحنجرة بشكل كبير في الحيوانات وخصوصاً طويلة الرقبة كالزرافة وبدون فائدة، وهذا يبطل القول بالتصميم الذكي في التطور.

ما تقدم هو ملخص لطرق الاستدلال بالتشريح المقارن لإثبات التطور، وأيضاً إشكال الملحدين على التصميم الذكي، وعموماً حاولت تبسيط الأمر بالقدر الممكن وأيضاً الصور ربما تبسط الأمر أكثر.

وإن شاء الله سيأتي الكلام في هذا الإشكال وبيان أن الخلل الحاصل في بناء الأجسام أثناء عملية التطور لا يصلح للإشكال على قانونية التطور وكون التطور هادف، فالخريطة الجينية الأولى هادفة ومقننة وبالتالي فهي دالة على مقنن ومصمم وَضَعها ليحقق نتيجة معينة. نعم، إشكال عصب الحنجرة المتقدم يلزم من يقول بالخلق دفعة واحدة وينكر التطور؛ لأن التصميم والتنفيذ دفعة واحدة يلزم منه نفي هذا الخلل الذي نراه في استطالة عصب الحنجرة، بل حتى لو قلنا إن هناك فائدة لاستطالة عصب الحنجرة فهذا لا ينفي دلالته الواضحة على أنه إرث تاريخي تطوري ينفي الخلق دفعة واحدة.

وقد جئت بمثال عصب الحنجرة بالذات؛ لأنه يستخدم لأكثر من إثبات نظرية التطور فهو يستخدم لنقض قانونية التطور وكون التطور هادف وسيأتي بيان بطلان هذا الاستدلال وكيف أن عدم مثالية نتائج التطور لا يعني بحال أنه غير مقنن، بل غاية ما يدل عليه هو أن الخلق لم يكن بدفعة واحدة بل كان هناك أطوار وتطور.

المصدر: كتاب وهم الإلحاد السيد أحمد الحسن

شكل 1: يوضح أستطالة عصب الحنجرة في الزرافة خلال مسيرة التطور وذلك لكونه يمر ملتفاً حول أحد الأوعية الدموية ثم يرجع إلى الحنجرة أسفل الرأس المصدر(1): Dawkins, The greatest show on earth: the evidence of evolution

 

شكل 2: يوضح استطالة عصب الحنجرة (اللون الأسود) في الزرافة خلال مسيرة التطور وذلك لكونه يمر ملتفاً حول أحد الأوعية الدموية ثم يرجع إلى الحنجرة أسفل الرأس(2)

__________________________
(1)  المصدر:
Dawkins R 2009. The greatest show on earth: the evidence of evolution. Free press, Transworld. Page 160.
(2)  هذا فديو توضيحي:
قناة فيديو كتاب وهم الإلحاد (04/09/2013). فديو توضيحي لعصب الحنجرة الراجع للزرافة. متاح على: https://youtu.be/kAJKZdHmiTg