البشارات بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله)

إنّ أنبياء العهد القديم بشَّروا بالمسيح (ع)، فأين التبشير بمحمد (ص) فيه إن كان هو صاحب الدين الأزلي ؟
كيف يمكن للمتدين المسيحي الذي يؤمن بالإنجيل أن يؤمن بنبوة محمد (ص) من خلال الإنجيل ؟

هل المطلوب تبشير بالاسم الصريح أم بالرمز؟!
أعتقد أنّ مسألة خلو العهد القديم من اسم عيسى أو يسوع كمبشر به مسألة مفروغ منها، فلم يبقَ إلا الرمز .
ونحن بينا نصوص رمزية من العهد القديم تأويلها بالرسول محمد (ص)، كما أنهم أولوا نصوص رمزية بعيسى ع …
……….
… وهذا مثال من النص على رسول الله محمد (ص) في العهد القديم:
التكوين – الأصحاح الحادي والعشرون:
«فبكر إبراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع. 15 ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. 16 ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس. لأنها قالت لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. 17 فسمع الله صوت الغلام. ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها مالك يا هاجر. لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. 18 قومي احملي الغلام وشدي يدك به. لأني سأجعله أمة عظيمة. 19 وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. 20 وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. 21 وسكن في برية فاران».

ولا أعتقد أنّ عاقلاً يقول إن عند الله كفاراً ومشركين وعبدة أصنام أمةٌ عظيمةٌ أو أن الله يعتبر كثرة العدد أمة عظيمة، فالمراد من الأمة العظيمة والعظمة لله سبحانه هم الأنبياء والأوصياء (ع)، أي المقصود بالأمة العظيمة من إسماعيل (ع) هم أنبياء وأوصياء (ع) من ذريته، وهؤلاء هم محمد وآل محمد (ع) بالخصوص خلفاء الله في أرضه.

وهذا مثال من النص على رسول الله محمد (ص) من العهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل):
حبقوق – الأصحاح الثالث:«1 صلوة لحبقوق النبي على الشجوية 2 يا رب قد سمعت خبرك فجزعت. يا رب عملك في وسط السنين أحيه. في وسط السنين عرف. في الغضب أذكر الرحمة 3 الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من تسبيحه. 4 وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. 5 قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى».

المعنى:
الله جاء من تيمان، أي الله جاء من اليمن والقدوس من جبل فاران، أي القدوس جاء من مكة .
وتعالى الله أن يوصف بالمجيء من السماء فكيف من الأرض؛ لأن الإتيان والمجيء تستلزم الحركة، وبالتالي الحدوث، وبالتالي نفي الألوهية المطلقة، فلا يمكن أن يعتبر أنّ الذي يجيء من تيمان أو اليمن هو الله سبحانه وتعالى، ولا الذي يجيء من فاران هو القدوس سبحانه وتعالى، هذا فضلاً عن الأوصاف الأخرى كاليد تعالى الله عنها علواً كبيراً «وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. 5 قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى».
بل الذي يجيء هو عبد الله محمد (ص) وآله (ع) من بعده، حيث إنهم من مكة ومحمد وآل محمد (ع) يمانيون أيضاً.
فمجيء محمد (ص) هو مجيء الله؛ لأن محمد هو الله في الخلق، ومحمد هو ظهور الله في فاران كما بينته سابقاً في أكثر من موضع.
وكون تيمان هي اليمن قد ورد حتى في الإنجيل على لسان عيسى (ع) عندما وصف ملكة اليمن بملكة التيمن (أو تيمان) .

إنجيل متى – الأصحاح الثاني عشر:
«ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان. وهوذا أعظم من سليمان ههنا».
إنجيل لوقا – الأصحاح الحادي عشر:
«ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان».

والعلم والحكمة التي جاء بها محمد (ص) في القرآن لا يزال كل منصف يقول إنه حكمة بالغة لا يمكن أن تكون إلا منه سبحانه .

وأيضاً محمد (ص) طالب بحاكمية الله، بل ولما سنحت له الفرصة طبق حاكمية الله وبين بوضوح أنّ الحق في حاكمية الله وأن كل فرق المسلمين التي ستخرج عن حاكمية الله هي فرق ضالة، وحديث الفرقة الناجية أشهر من نار على علم، ومشهور في كتب السنة: (تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة. قيل يا رسول الله ! ما هذه الفرقة؟ قال: من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .
إذن، صفة الفرقة الناجية هي أنها عبارة عن قائد منصب من الله كما كان رسول الله (ص) ومؤمنون بهذه القيادة الإلهية كما كان أصحاب رسول الله (ص).

تبقى مسألة الإشكال والجدال، فهذا يقول لماذا محمد فعل كذا، ولماذا قال كذا، ولو كان رسول لما قال هذا، ولما فعل ذاك، والقرآن مخالف لقواعد العربية، وإشكالات يمكن أن توجه نفسها إلى أي رسول أو كتاب أو دين إلهي آخر وهي مردودة .

في حين أننا لابد أن نلتفت إلى أنّ من ينتقل إلى الإشكال قبل أن يرد الدليل وينقضه ويبين أنه ليس دليلاً فهو في الحقيقة قد أقرّ الدليل والعقيدة التي يشكل عليها وأنفذها، وإنما هو بإشكاله في طور تجليتها وإظهارها؛ لأن الإشكالات لا تعدوا كونها إشكالات ترد ولا قيمة لها في الحقيقة غير أنها أداة استخفاف طاغوتية يستعملها علماء الضلال والطواغيت لاستخفاف أتباعهم وإبقائهم على إتباعهم وتقليدهم الأعمى؛ ليحتفظوا بمناصبهم ودنياهم، وهم بعد أن تهدم عقيدتهم الباطلة وتسقط كل إشكالاتهم يعودون إلى أتفه إشكال هدفهم منه إثارة عواطف أتباعهم تجاه آبائهم وسلفهم، وهو إشكال فرعون على نبي الله موسى ع،
حيث كان قول فرعون: ﴿… فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: 51].
فكان جواب موسى ع: ﴿…. عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه : 52].

المصدر: كتاب الحواري الثالث عشر – السيد أحمد الحسن (ع)

Comments are closed.